نسب النبي محمد وذكر آبائه واجداده (صلّى اللّه عليه وآله)
هو أبو القاسم محمد (صلّى اللّه عليه وآله) بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقد روي عنه (صلّى اللّه عليه وآله): «إذا بلغ نسبي الى عدنان فامسكوا».
لمّا بلغ عدنان أشدّه صار سيد قومه ورئيس عشيرته حتى انقادت له القبائل وسكان البطحاء ويثرب فلمّا انتصر بخت نصّر وفتح بيت المقدس صمّم على تسخير بلاد العرب والهجوم عليهم، فحاربه عدنان حتى قتل الكثير من أعوانه وأنصاره وغلبه بخت نصّر وقتل كثيرا من العرب حتى ضاقت عليهم الارض فتوجّه كل واحد منهم الى جهة وتوجّه عدنان وبعض أصحابه الى اليمن واستوطنوا هناك الى أن توفي عدنان.
وكان لعدنان، عشرة أولاد منهم معد وعك وعدن وأد وغنى وانتقل النور الذي كان في جبهة عدنان الى ابنه معد وهذا النور المبارك لخاتم الأنبياء دليل واضح على انّه كان ينتقل من صلب الى صلب.
فلمّا مات بخت نصّر وتخلّص الناس من شرّه ورأوا علائم الفتوة والشهامة في معد، دعته قبائل العرب وجعلوه سيدا عليهم. وولد له أربعة أولاد فانتقل النور الى ابنه نزار (بكسر النون) وكانت أمه معانته بنت حوشم من قبيلة جرهم.
وحينما ولد نزار ورؤى فيه نور النبوة، عقّ عنه أبوه ألفا من الإبل وأطعم خلقا كثيرا من الناس وقال: «انّ هذا كله نزر في حق هذا المولود»، ولذلك سمي نزار من النزر بمعنى القليل، ثم انّه لما بلغ سن الرشد، صار سيد قومه بعد أبيه … فلمّا حضرته الوفاة جمع عياله وأولاده وذهب الى مكة المعظمة وتوفي هناك … وولد له اربعة أولاد:
الاول: ربيعة، الثاني: أنمار، الثالث: مضر، الرابع: أياد.
وظهرت من أنمار قبيلتان، خشعم وبجيلة، فذهبتا الى اليمن، وينسب قس بن ساعد الأيادي، الذي كان من حكماء العرب وفصحائهم، الى أياد.
وتشعبت من ربيعة ومضر، قبائل كثيرة وكان ينسب نصف العرب إليهما ويضرب المثل بهما في الكثرة ويكفينا في فضلهما قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله):
«لا تسبّوا مضر وربيعة فإنّهما مسلمان».
ومضر من ماضر بمعنى الحليب قبل أن يصير لبنا … وكان اسم مضر عمرو، وانتقل نور النبوة من نزار إليه، فصار سيد القوم بعد أبيه وانقادت له القبائل.
وما برح يروّج شريعة ابراهيم الخليل عليه السّلام بين الناس ويهديهم الى الصراط المستقيم حتى قبض، قيل انّه كان أجمل الناس صوتا وهو الذي اخترع الحدي للإبل، وولد له ابنان، أحدهم عيلان- وقد ظهرت منه قبائل كثيرة- والآخر الياس الذي انتقل نور النبوة إليه وصار سيد القوم وكبيرهم بعد ابيه.
حتى انّه لقّب، سيد العشيرة، وكان مرجع الدعاوي والشكاوى للقبائل، فكان مثله مثل لقمان في قومه.
وكان لألياس ثلاثة أولاد: ١- عمرو ٢- عامر ٣- عميرا.
ثم انتقل نور النبوة الى (عمرو). وتزوج عمرو سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار وولدت له ولدين، هما خزيمة وهذيل الذي كان أبا لقبائل كثيرة، وانتقل نور النبوة الى خزيمة فصار سيد القوم وله ثلاثة أولاد: ١- كنانة ٢- هون ٣- اسد.
ولمّا بلغ كنانة ساد قومه وقبائل، له ثلاثة أولاد: ١- نضر ٢- ملك ٣- ملكان.
اما النور الذي كان ساطعا من جبهته انتقل الى ابنه نضر، وسمي نضر، نضرا لنضارة وجهه، ويسمى بقريش أيضا وكل قبيلة تنسب إليه تسمى قريشا واختلفت الاقوال في وجه تسميته بقريش، وساد قومه وجمعهم من التفرقة والتشتت، وكانوا يجتمعون أكثر الاحيان حول مائدته، لقّب بقريش، لأنّ التقرش بمعنى التجمع.
وكان له ولدان: ١- مالك ٢- يخلد، فانتقل النور الى مالك، وكان له ابن اسمه فهر (بالكسر) كان فهر- المسمى بمجمع قريش- سيد العرب في مكة، وله أربعة أولاد١- غالب ٢- محارب ٣- حارث ٤- أسد.
فانتقل النور الى غالب، وكان له ابنان من سلمى بنت عمرو بن ربيعة الخزاعية هما: ١- لؤيّ، ٢- تيم، فانتقل النور الى لؤيّ (بضم اللام وفتح الواو وتشديد الياء، مصغّر «لاى» بمعنى النور) وكان له أربعة أولاد: ١- كعب ٢- عامر ٣- سامة ٤- عوف.
وانتقل النور من لؤيّ الى كعب، وأمه مارية بنت كعب القضاعيّة وكان من صناديد العرب، وأفضل الرجال في قريش وكان بيته ملجأ ومأوى للفقراء والمساكين، وكان العرب- حسب عادتهم- يغيرون تاريخ السنة طبقا للحوادث والوقائع المهمّة التي تحصل لهم، فجعلوا يوم وفاته الذي يصادف (٥٦٤٤) سنة بعد هبوط آدم عليه السّلام من الجنة، بداية تاريخهم الى عام الفيل.
وكان له ثلاثة أولاد من محشيّة بنت شيبان: ١- مرّة (بضم الميم وتشديد الراء) ٢- عدي و٣- هصيص (كزبير) وكان أكبر أخوته وله ابن يسمى بعمرو ولعمرو ابنان هما: سهم وجمح، وينسب عمرو بن العاص الى سهم وينسب عثمان بن مظعون وصفوان بن اميّة وأبو محذورة- مؤذن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- الى جمح، وينسب عمر بن الخطاب الى عدي بن كعب.
وانتقل نور النبوة الى مرّة بن كعب وله ثلاثة أولاد: ١- كلاب وامّه هند بنت سرى بن ثعلبة ٢- تيم ٣- يقظة، وامّهما البارقيّة.
و ينسب أبو بكر و طلحة الى تيم و تنسب قبيلة بني مخزوم الى مخزوم ابن يقظة، و من هذه القبيلة تكون أم سلمة و خالد بن الوليد و أبو جهل، و كان لكلاب بن مرّة ابنان: ١- زهرة، و تنسب إليه آمنة أم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سعد بن ابي وقاص و عبد الرحمن بن عوف ٢- قصيّ (بضم القاف و تشديد الياء) اسمه في الأصل زيد، و لمّا مات أبوه تزوجت امّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حرم القضاعي، فأخذت قصيّ الصغير و تركت زهرة ابنها الكبير و خرجت مع زوجها من مكة و ذهبا الى قبيلة قضاعة، و سمّي قصيّ قصيا بمعنى المبعّد، و لمّا بلغ أشده ودّع أمه فاطمة و اخاه من الام زرّاج بن ربيعة و خرج الى الحج مع جماعة من قضاعة، ثم جعل سكنه هناك الى جنب اخيه زهرة، حتى نال الملك و القدرة.
وفي تلك الفترة كان حليل بن حبشيّة (بحاء وسين مهملتين على وزن وحشيّة) سيد أهل مكة وكبيرهم، واستولى على مكة بعد الجرهميّين، وكان رئيسا على قبيلة خزاعة، وله أولاد وبنات ومن جملة بناته (حبّى) التي تزوجها قصيّ.
ولمّا اصيبت مكة بالبلايا والامراض خرج حليل مع قبيلة خزاعة منها، ولمّا حضرته الوفاة أوصى بمفاتيح الكعبة الى بنته حبّى على ان يشاركها أبو غبشان الملكاني في منصب الحجابة وسدانة البيت.
وولدت حبّى من قصيّ أربعة أولاد: ١- عبد مناف ٢- عبد العزى ٣- عبد القصّي ٤- عبد الدار، فقال قصيّ لزوجته: جدير ان تسلّمي مفاتيح البيت الى ابنك عبد الدار كي لا تخرج هذه الفضيلة من ولد اسماعيل عليه السّلام.
فقالت: إني لا أبخل بحقّي على ابني، لكن ما ذا أصنع بأبي غبشان وهو شريكي بحكم وصية أبي، فقال: اتركي الامر إليّ، فذهب الى أبي غبشان وهو في الطائف، فدخل عليه ليلة وهو سكران فاشترى المفاتيح منه بزق خمر، فأكّد هذا البيع وأخذ الشهود عليه، ثم ذهب الى مكة وأعطى المفاتيح الى ابنه في ملأ من الناس.
ولمّا أفاق أبو غبشان من سكره ندم كثيرا على فعله وصار يضرب به المثل، ويقال: أحمق من أبي غبشان، أندم من أبي غبشان، أخسر صفقة من أبي غبشان.
فلمّا أخذ قصيّ المفاتيح من أبي غبشان و أصبح سيدا على قريش تولّى سدانة البيت و أمر مكة، و أعطي الحجابة و اللواء و الندوة و السقاية و الرفادة (و السقاية هي سقي الحاج، و الحجابة هي تولّي مفاتيح البيت، و الرفادة هي اطعام الحاج كلهم في المزدلفة، و اللواء هو عقد اللواء و الراية لأمراء الجيش حين الحرب و كان هذا الرسم جاريا في أولاد قصيّ الى زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و الندوة و هي أرض الى جنب الكعبة، بني فيها دار جعل له باب الى المسجد، و كانت قريش لا تقضي امرا الّا فيها، جمع قصيّ قريشا، و قال لهم: يا معشر قريش، انّكم جيران اللّه و أهل بيته الحرام، و انّ الحجاج ضيوف اللّه و زوّاره، و هم أحق الضيوف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا و طعاما ايام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا ذلك الى زمن الاسلام، و قسّم أرض مكة الى أربعة أقسام و أسكن قريشا فيها.
فلمّا رأت ذلك خزاعة وبنو بكر الذين كانوا مستولين على مكة سابقا وشاهدوا أن مفاتيح البيت صارت بيد غيرهم جهزّوا جيشا وقاتلوا قصيّا فخسر في اوّل وهلة ثم استنصر اخاه زراج بن ربيعة مع اخوته، فأقبل إليه من ربيعة ومعه جماعة من قضاعة وحاربوا خزاعة الى ان كتب النصر لقصيّ فتولى قصيّ امر البيت وأمر مكة وكان أول ملك حكم قريشا والعرب وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة، فسمي مجمّعا، وقال الشاعر في حقه:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا * * * به جمع اللّه القبائل من فهر
فبلغ من العلوّ والمنزلة مرتبة عظمى، فما كانت تنكح امرأة الّا بأذنه، ولا يتشاورون في امر ينزل بهم الّا في داره، فكان أمره في قريش كالدين المتبع لا يخالفه أحد، ثم انه أعطى لعبد الدار الندوة والحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة.
ولمّا توفي قصيّ دفن في الحجون، وانتقل نور النبوة منه الى (عبد مناف) واسمه المغيرة، وكان يقال له قمر البطحاء لجماله وحسنه، وكنيته أبو عبد شمس وتزوج من عاتكة بنت مرّة بن هلال السلمية، فولدت له ولدين توأمين، وكانت جبهتاهما متلاصقتين ففصلتا بالسيف، وسمّي أحدهما عمرو ولقبه هاشم، والآخر عبد شمس، وقال أحد عقلاء العرب: ستقع العداوة بينهما ولا يحكم فيهما الّا السيف وهكذا كان، لأن عبد شمس هو جد بني اميّة الذين كانوا أعداء بني هاشم دائما.
وكان لعبد مناف ابنان آخران أحدهما: المطّلب وينسب إليه عبيدة بن الحارث والشافعي، والآخر: نوفل وينسب جبير بن مطعم إليه. ولقّب هاشم بن عبد مناف الذي كان اسمه عمرو، بعمرو العلى لعلوّ مرتبته وكان هاشم والمطّلب يسمّيان بالبدرين لجمالهما، وكانا في غاية الألفة والمودّة كما كانت بين عبد شمس ونوفل هذه المودة.
ذكر ان قريشا- بعد سيادة هاشم فيهم- أصابتها مخمصة وقحط فكان هاشم يرحل الى الشام ويشتري الدقيق والطعام من هناك ويقدم به الى مكة، فيطبخه اداما ويثرد فيه الخبز وينحر كل يوم جزورا ويدعو أهل مكة الى مضيفه للطعام فسمي هاشما لأنه اوّل من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم.
يقول أحد الشعراء في مدحه:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه * * * قوم بمكة مسنتون عجاف
نسبت إليه الرحلتان كلاهما * * * سير الشتاء ورحلة الاصياف
ولمّا زادت شهرة هاشم وأولاد عبد مناف، وسبقوا أولاد عبد الدار في الشرف والشهامة صمّموا على أخذ منصب السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة من أولاد عبد الدار ونقلها إليهم، فاتفق هاشم مع عبد شمس ونوفل والمطّلب على هذا الامر، فلمّا علم أولاد عبد الدار بهذا الامر، استنصروا قبائل بني مخزوم وبني سهم بن عمرو بن هصيص وبني عدي بن كعب، فذهبوا جميعا الى بيت اللّه واقسموا هناك على دفع أولاد عبد مناف وسمّوا بالأحلاف.
وأستنصر أولاد عبد مناف، ببني اسد بن العزى بن قصيّ، وبني زهرة بن كلاب، وبني تميم بن مرة، وبني الحرث بن فهر ثم جاءوا بظرف مملوء طيبا ومسكا فوضعوا ايديهم فيه، ثم ذهبوا الى بيت اللّه الحرام واقسموا أن يخرجوا كل المناصب الخمسة من أولاد عبد الدار، وسمّوا هؤلاء بالمطيبين.
فلمّا استعدّ الفريقان للقتال، ابتدر كبار القوم وحكماؤهم، بالوساطة والنهي عن المقاتلة، قائلين: انّ هذه الحرب لا تمنحنا الّا الضرر، ولا تنتج شيئا غير ضعف قريش واستيلاء قبائل العرب عليها، فتصالحوا على أن تكون السقاية والرفادة في أولاد عبد مناف وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة في أولاد عبد الدار.
ثم أقرع أولاد عبد مناف هذين المنصبين بينهم، فخرجت القرعة باسم هاشم، فظلّت هذه المناصب الخمسة، تتوارث بين أولاد قصيّ الى أن بعث النبي (صلّى اللّه عليه وآله).
وكان مفتاح البيت حينذاك بيد عثمان بن ابي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ولمّا فتحت مكة، سلّم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) المفاتيح مرّة اخرى إليه، وعثمان هذا لما هاجر الى المدينة أعطى المفاتيح لابن عمّه شيبة فبقيت في اولاده.
وكان اللواء طوال هذه المدة عند أولاد عبد الدار الى أن فتحت مكة فجاؤوا الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، وقالوا: اجعل اللواء فينا، فقال (صلّى اللّه عليه وآله): الاسلام أوسع من ذلك (بحيث تكون رايات الفتح الاسلامي في بيت واحد) فانعدم هذا القانون واندثر بعد قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله).
امّا دار الندوة، فكانت باقية في أولاد عبد الدار الى زمن معاوية فاشتراها منهم وجعلها دارا للإمارة. امّا السقاية والرفادة فانتقلت من هاشم الى المطّلب ومنه الى عبد المطّلب بن هاشم ومنه الى ابنه ابي طالب، وكان أبو طالب معسرا، فاستقرض من أخيه العباس مالا لإطعام الحاج وسقايتهم، ولما عجز عن أدائه أعطى السقاية والرفادة الى العباس بدلا عن دينه. ثم انتقل هذا المنصب من العباس الى ابنه عبد اللّه ومنه الى ابنه علي، وهكذا صاروا يتداولونه الى ان وصل الى آخر الخلفاء العباسيين.
ولمّا بلغ هاشم ما بلغ من الجلالة والقدر والشهامة، انتشر صيته في جميع الاقطار وكان السلاطين والكبراء يرسلون إليه الهدايا والتحف تقربا إليه ورغبة في مصاهرته كي ينتقل إليهم نور النبوة الذي كان ساطعا من جبهته الشريفة. لكن هاشم رفض كل هذه الدعاوي، وتزوج بامرأة من نجباء قومه، فولدت له اولادا كثيرين من جملتهم أسد أبو فاطمة أم أمير المؤمنين عليه السّلام.
وما زال النور باقيا في جبينه فذهب ليلة الى بيت اللّه الحرام ودعا اللّه وتضرع إليه كي يرزقه ولدا يحمل هذا النور، فرأى في المنام أنّه يؤمر بالتزوج من سلمى بنت عمرو بن زيد ابن لبيد من بني النجّار الذي كان مقيما في المدينة.
فشخص هاشم الى الشام وسلك طريق المدينة إليها فلمّا قدم المدينة نزل في بيت عمرو وخطب ابنته، فانكحه ايّاها وشرط عليه ان لا تلد ولدا الّا عند اهلها وان يبقى الولد في المدينة فقبل هاشم هذا الشرط ولمّا رجع من الشام اخذها معه الى مكة فحملت هناك بعبد المطّلب فأخذها الى اهلها وفاء للشرط وذهب هو الى الشام فتوفى في مدينة غزّة التي تقع في أقصى الشام، بينها وبين عسقلان فرسخان.
امّا سلمى فولدت عبد المطّلب وسمّته عامرا وكان في رأسه شيبة فاشتهر بشيبة، وربّته امّه حتى عرف اليمين من الشمال، ولقّب بشيبة الحمد لجميل خصاله وبديع فعاله، فجاء عمّه المطّلب- الذي كان سيد القوم في مكة والذي عنده مفاتيح البيت وقوس اسماعيل عليه السّلام وعلم نزار وله منصب السقاية والرفادة- وأخذه الى مكة مردفا ايّاه على ناقته فأدخله على قريش فسمّوه عبد المطلب لزعمهم انّ المطّلب اشترى عبدا من المدينة ثم اخذه الى البيت والبسه ملابسا نظيفة جميلة.
وعظم أمر عبد المطّلب وشاع ذكره وعلا اسمه وشاعت محامده بين الناس الى ان توفي المطلب فانتقل إليه منصب الرفادة والسقاية وبلغ من العظمة مبلغا حتى كانت تأتيه الهدايا والتحف من أقصى البلاد والامصار، وكلّما أصيب العرب بداهية أخذوه الى جبل بثير ودعوا اللّه تعالى بجاهه وشرفه كي يكشف عنهم البلاء.
وكانوا يذبحون القرابين لأجله ويمسحون دمها على وجوه الاصنام، امّا عبد المطّلب فلم يكن يعبد غير اللّه عزّ وجل. وكان الحارث أول أولاد عبد المطّلب ولذا كنّي بأبي الحارث، فلمّا بلغ الحلم رأى عبد المطّلب في المنام انّه يؤمر بحفر بئر زمزم.
لا يخفى انّ عمرو بن الحارث الجرهمي سيد الجرهميين كان في مكة منذ عهد قصيّ، فحاربه حليل بن حبشيّة و غلبه و أمره بالخروج من مكة، فغضب عمرو لذلك و صمّم على الخروج من مكة و قبل خروجه نزع الحجر الاسود من الركن و أخذ غزالين من ذهب كان قد وهبهما اسفنديار بن جشتاسب الى البيت و أسيافا قليعة و أدرعا، فقذفها في بئر زمزم و ملأه بالتراب، ثم هرب مع قبيلته الى اليمن، فلمّا حفر عبد المطّلب و ابنه الحارث بئر زمزم و أخرج هذه الاشياء منها، نازعه قومه فيها و أرادوا نصفها، قائلين انها كانت لأجدادنا، فقال عبد المطّلب: الأفضل أن نقرعها بيننا، فقسّم الاشياء قسمين و ضرب عليها السهام بينه و بين البيت و بين قريش فكانت الغزالتان الذهبيتان للبيت، و السيوف و الدروع لعبد المطّلب، و خسرت قريش، ثم باع عبد المطّلب السيوف و الأدرع و اشترى بثمنها بابا للبيت، فعلّق الغزالتين عليها، و اشتهرتا بغزالتي الكعبة. ينقل انّ أبا لهب سرق هاتين الغزالتين وباعهما وصرف ثمنهما في الخمر والقمار.
قال ابن ابي الحديد وبعض من المؤرخين: «لمّا جرى ماء زمزم بيد عبد المطّلب حسده سائر قريش، وقالوا: انها بئر أبينا اسماعيل، وانّ لنا فيها حقّا فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، انّ هذا الامر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم فقالوا له: فأنصفنا فانّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد، قال: نعم.
قال الراوي: وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطّلب ومعه نفر من بني ابيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش عدّة اشخاص والأرض اذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فنفذ ماء عبد المطّلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم .فلمّا رأى عبد المطّلب ما صنع القوم فتخوف على نفسه واصحابه، فقال: ما ذا ترون؟
قالوا: ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا بما شئت، قال: فانّي أرى ان يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم من قوة فاذا مات رجل دفعه اصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به.
فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم انّ عبد المطّلب قال لأصحابه: و اللّه ان القاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الارض و لا نبتغي لأنفسنا لعجز فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا، فارتحلوا حتى اذا فرغوا و من معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدّم عبد المطّلب الى راحلته فركبها فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفّها عين من ماء عذب فكبّر عبد المطّلب و كبّر اصحابه ثم نزل فشرب و شرب اصحابه و استقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش، فقال:
هلمّ الى الماء فقد سقانا اللّه فاشربوا واستقوا، فجاؤوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد واللّه قضى لك علينا يا عبد المطّلب واللّه لا نخاصمك في زمزم ابدا، انّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع الى سقايتك راشدا.
ونال عبد المطّلب العظمة بعد حفر زمزم ولقّب بسيد البطحاء وساقي الحجيج وحافر زمزم وكان ملجأ ومأمنا للناس في الشدائد والهزائز والقحط والمخمصة، وكان له عشرة أولاد وست بنات. وكان عبد اللّه أبرز اولاده وكانت امّه وأم أبي طالب والزبير فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم.
لمّا ولد عبد اللّه علمت الكهنة والسحرة والاحبار والقسيسين والنصارى بولادة أبي نبي آخر الزمان وكانت علامة ولادته فوران الدم من قميص يحيى عليه السّلام كما أخبر به العلماء وكبار الدين، فلمّا فار الدم من القميص وكان من صوف أبيض علموا بولادة أبي خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه وآله).
فلمّا ولد عبد اللّه سطع نور النبوة الذي كان يحمله اجداده من جبينه و كان يرى آثارا غريبة و علامات عجيبة، كما أخبر عبداللّه نفسه أباه بذلك، فقال:
انني أذهب الى جبل بطحاء و بثير فيخرج نور من صلبي فيمتد الى المشرق و المغرب ثم يتصل و يكون كالدائرة ثم يصير سحابا يظلّني عن الشمس ثم تنفتح أبواب السماء الى ان يعود النور الى مقرّه، و كلّما أجلس تحت شجرة يابسة أينعت و أثمرت، و اذا ابتعدت عنها تعود الى هيئتها الاولى، و عند ما أجلس على الارض أسمع مناديا يناديني و يقول: السلام عليك يا حامل نور محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له عبد المطّلب: أي بني أبشر بنبيّ آخر الزمان فانّه يخرج من صلبك.
وكان عبد المطّلب قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم لئن ولد له عشرة أولاد ثم بلغوا معه حتى يمنعوه يذبح أحدهم للّه عند الكعبة، فلمّا توافى بنوه عشرا أخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء بذلك، فأطاعوه.
فاختار عبد المطّلب الضرب بالقداح كي يخرج الولد الذي يريد ذبحه فلمّا ضرب القداح خرج باسم عبد اللّه، فأخذه عبد المطّلب بيده وأخذ الشفرة ثم اقبل به الى إساف ونائلة حيث مكان الذبح ليذبحه، فمنعته قريش واخوة عبد اللّه والمغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم، وقالوا له: لا تذبحه ابدا حتى تعذر فيه.
فأجمعوا ان يذهبوا الى كاهنة تقيم في المدينة، ويحكّموها فلمّا ذهبوا إليها، قالت: كم دية الرجل فيكم؟ قالوا عشر من الإبل، قالت: فارجعوا الى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة فقربوا عبد اللّه وعشرا من الإبل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد اللّه فزادوا عشرا ثم ضربوا فخرج القدح على عبد اللّه فأضافوا عليها عشرا عشرا الى ان بلغت المائة، فضربوا فخرج القدح على الإبل ففرحت قريش وقالت: قد رضى ربك يا عبد المطّلب، فقال: لا وربّ الكعبة فضرب مرّتين أخرتين، فخرج القدح على الإبل، فنحرت فدية عن عبد اللّه وصارت دية الرجل في الاسلام مائة من الإبل ولذا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «انا ابن الذبيحين»، يعني جدّه اسماعيل وأباه عبد اللّه.
فلمّا لحق عبد اللّه ملاحق الرجال تطاولت إليه الخطّاب وبذلوا في طلبه الجزيل من المال، كل ذلك رغبة في نور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ولم يكن في زمانه أجمل ولا أبهى ولا أكمل منه، وكان إذا مرّ بالناس في النهار يشمّون منه رائحة المسك الاذفر والكافور والعنبر، وكان إذا مرّ بهم ليلا تضيء من نوره الحنادس والظلم، فسمّوه أهل مكة مصباح الحرم وأقام عبد المطّلب وابنه عبد اللّه بمكة حتى تزوج عبد اللّه بآمنة بنت وهب.
لمّا حملت آمنة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) علمت الكهنة به. وكانت العرب قد اصابها قحط ومخمصة فبعد حملها به (صلّى اللّه عليه وآله) نزل المطر وكثرت النعم عليهم حتّى سميّت تلك السنة بسنة الأنقع.
بعث عبد المطّلب ابنه للتجارة الى الشام، فمرض عند رجوعه من هناك ومكث في المدينة حتى توفّي ودفن جثمانه الطاهر في دار النابغة. ولمّا علم عبد المطّلب بمرضه بعث إليه الحارث، فلمّا وصل الحارث رآه قد توفي، وكان عمره الشريف خمسا وعشرين سنة.




